مجمع البحوث الاسلامية
586
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
على بني إسرائيل ، والاتّصال أظهر . [ إلى أن قال : ] واختلفوا في سبب التّحريم للطّعام الّذي حرّمه إسرائيل على بنيه ومن بعدهم من اليهود ، وهذا إذا قلنا بأنّ الاستثناء متّصل . أمّا إذا كان منقطعا فلم يحرّم عليهم . وقال عطيّة : حرّمها عليهم بتحريم إسرائيل ولم يكن محرّما في التّوراة . وروي عن ابن عبّاس أنّ يعقوب قال : إن عافاني اللّه لا يأكله لي ولد . [ ثمّ ذكر قول الضّحّاك ] وقيل : لم يحرّم عليهم قبل نزول التّوراة ولا بعدها ، ولا بتحريم إسرائيل عليهم ولا لموافقته ، بل قالوا ذلك تحرّضا وافتراء . ( 3 : 3 ) الآلوسيّ : [ نقل أقوال المفسّرين ثمّ قال : ] وذهب كثير إلى أنّ التّحريم كان بنصّ ورد عليه ، وقال بعض : كان ذلك عن اجتهاد ، ويؤيّده ظاهر النّظم ، وبه استدلّ على جوازه للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام . والاستثناء متّصل ، لأنّ المراد على كلّ تقدير أنّه حرّمه على نفسه وعلى أولاده . وقيل : منقطع ، والتّقدير : ولكن حرّم إسرائيل على نفسه خاصّة ، ولم يحرّمه عليهم ؛ وصحّ الأوّل . مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ الظّاهر أنّه متعلّق بقوله تعالى : كانَ حِلًّا ولا يضرّ الفصل بالاستثناء ؛ إذ هو فصل جائز ، وذلك على مذهب الكسائيّ ، وأبي الحسن في جواز أن يعمل ما قبل إلّا فيما بعدها إذا كان ظرفا أو جارّا ومجرورا أو حالا . وقيل : متعلّق ب ( حرّم ) ، وتعقّبه أبو حيّان بأنّه بعيد ؛ إذ هو من الإخبار بالواضح المعلوم ضرورة ولا فائدة فيه ، واعتذر عنه بأنّ فائدة ذلك بيان أنّ التّحريم مقدّم عليها وأنّ التّوراة مشتملة على محرّمات أخر حدثت عليهم حرجا وتضييقا . واختار بعضهم أنّه متعلّق بمحذوف ، والتّقدير : كان حلّا من قبل أن تنزّل التّوراة ، في جواب سؤال نشأ من سابق المستثنى ، كأنّه قيل : متى كان حلّا ؟ فأجيب به . والّذي دعاه إلى ذلك عدم ظهور فائدة تقييد التّحريم ، ولزوم قصر الصّفة قبل تمامها ، على تقدير : جعله قيدا للحلّ . ولا يخفي ما فيه ، والمعنى على الظّاهر أنّ كلّ الطّعام ما عدا المستثنى كان حلّا لبني إسرائيل قبل نزول التّوراة ، مشتملة على تحريم ما حرّم عليهم لظلمهم ؛ وذلك ردّ لليهود في دعواهم البراءة فيما نعى عليهم قوله تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ النّساء : 160 ، وقوله سبحانه : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا الأنعام : 146 ، الآيتين ، وتبكيت لهم في منع النّسخ ، ضرورة أنّ تحريم ما كان حلالا لا يكون إلّا به ، والطّعن في دعوى الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم موافقته لأبيه إبراهيم عليه السّلام ، على ما دلّ عليه سبب النّزول . ( 4 : 2 ) سيّد قطب : وهنا يردّهم القرآن إلى الحقيقة التّاريخيّة الّتي يتجاهلونها للتّشكيك في صحّة ما جاء في القرآن ، من أنّه مصدّق للتّوراة ، وأنّه مع هذا أحلّ للمسلمين بعض ما كان محرّما على بني إسرائيل . هذه الحقيقة هي أنّ كلّ الطّعام كان حلّا لبني إسرائيل إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ وإسرائيل هو يعقوب عليه السّلام .